صديق الحسيني القنوجي البخاري

18

فتح البيان في مقاصد القرآن

وظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم ، وهو يعمّ الإنفاق قبل الرشد والدفع للجميع إليهم بعد الرشد ، وهذا أمر إرشاد وليس للوجوب وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً لأعمالكم شاهدا عليكم في كل شيء تعملونه ، ومن جملة ذلك معاملتكم اليتامى في أموالهم ، وفيه وعيد عظيم ، والباء زائدة أي كفى اللّه ، قال أبو البقاء : زيدت لتدل على معنى الأمر إذ التقدير اكتف باللّه ، وهذا القول سبقه إليه مكي والزجاج . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 7 ] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 ) لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وعصبته نَصِيبٌ حظ مِمَّا تَرَكَ من الميراث الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوفّون ، لما ذكر سبحانه حكم أموال اليتامى وصلتها بأحكام المواريث وكيفية قسمتها بين الورثة وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال على الاستقلال لأجل الاعتناء بأمرهن ، وللإيذان بأصالتهنّ في استحقاق الإرث ، وللمبالغة في إبطال ما عليه الجاهلية فقال لِلنِّساءِ أي الإناث من أولاد الميت نَصِيبٌ حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي من المال المخلّف عن الميت ، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمّى القربة من دون تخصيص . مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من قوله : مِمَّا تَرَكَ بإعادة الجار ، والضمير في مِنْهُ راجع إلى المبدل منه ، وهذا الأمر مراد في الجملة الأولى أيضا محذوف للتعويل على المذكور ، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلة الحرب للرجال ، وتحقيق أن لكل من الفريقين حقا من كل ما دقّ وجلّ . وقد أجمل سبحانه في هذه المواضع قدر النصيب المفروض ، ثم أنزل قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] فبيّن ميراث كل فرد جعله اللّه نَصِيباً مَفْرُوضاً وهو دليل على جواز البيان عن وقت الخطاب ، والحنفية أيضا قائلون بجواز تأخيره ، والفرض ما فرضه اللّه تعالى وهو آكد من الواجب أو مقطوعا بتسليمه إليهم ، فلا يسقط بإسقاطهم ، ففي الآية دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض ، قاله البيضاوي . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 8 إلى 10 ] وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 8 ) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ( 10 ) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة الميراث أُولُوا الْقُرْبى المراد بالقرابة هنا غير